محمود توفيق محمد سعد

236

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

وأمّا بعد إظهار فضيلة العلم ، فقد كشف الغطاء ، وصار وجه الفضل من باب عين اليقين . وأمّا الترتيب في الذكر هنا على هذا الوجه ، وهو جعل السجود بعد الإنباء ، فهو لنكتة بديعة : وهي أنّه سبحانه وتعالى لمّا كان في بيان النعم التي أوجبت شكره باختصاصه بالعبادة لكونه منعما ، فبيّن أولا نعمته على كلّ نفس في خاصتها بخلقها ، وإفاضة الرزق عليها [ يشير إلى الآيات : 21 - 22 ] ثمّ ذكّر الكلّ بنعمة تشملهم ، وهي محاجته لأقرب خلقه إذ ذاك إليه عن أبينا آدم عليه السّلام قبل إيجاده اقتضى الأسلوب الحكيم أن يوضح لهم الحجة في فضيلة هذا الخليفة ، فذكر ما آتاه من العلم ، فلمّا فرغ من محاجتهم بما أوجب إذعانهم ذكّر بنيه بنعمة السجود له ، فما كان تقديم إظهار فضيلة العلم إلا محافظة على حسن السياق في ترتيب الدليل على أقوم منهاج وأوضح سبيل " « 1 » يبرز " البقاعيّ " كما ترى أثر السياق والغرض المنصوب له الكلام في النظم الترتيبيّ لأحداث القصة ، وكيف أنّهما قد يقتضيان تقديم حدث في الذكر على حدث مقدّم في وقوع القصة ، فالاعتداد بما يقتضيه الحال والمقام * * * وهو حين ينظر في التصريف البيانيّ للقصة الواحدة وتصويرها بصور بيانية متنوعة يشير إلى أنّ " المقصود من حكاية القصص في القرآن الكريم إنّما هو المعاني [ أي معاني الهدى التي بها الاعتبار " عبرة لأولي الألباب " ] فلا يضرّ اختلاف اللفظ إذا أدّى جميع المعنى أو بعضه ، ولم يكن هناك مناقضة ، فإنّ القصّة كانت حين وقوعها بأوفى المعاني الواردة ، ثمّ إنّ اللّه سبحانه وتعالى يعبّر لنا في كلّ سورة تذكر القصة فيها بما يناسب ذلك المقام في الألفاظ عمّا يليق من المعاني ، ويترك ما لا يقتضيه ذلك المقام . " « 2 » في هذا إشارة إلى أن الذي يقص علينا ما كان وما يكون إنّما هو العليم الخبير جلّ جلاله ، فهو العليم بدقائق ولطائق المعاني المكنونة في الصدور التي يقصّ أخبارها وما كان منها وما سيكون ، وهو العليم بما يملك لسان العربية من قدرات الإبانة عن لطائف المعاني وشواردها وأوابدها

--> ( 1 ) - نظم الدرر : 1 / 280 ( 2 ) - نظم الدرر : 1 / 284